أزمة السكن في العراق: هل أصبحت ملكية المنزل حلمًا مستحيلاً للموظف؟

أزمة السكن في العراق: هل أصبحت ملكية المنزل حلمًا مستحيلاً للموظف؟

Yazida News
By -
0

 

أزمة السكن في العراق: حين يصبح بيت العمر حلمًا مؤجلاً لربع قرن

لم تعد أزمة السكن في العراق مجرد مشكلة عقارية عابرة أو نقص في عدد الوحدات المعمارية، بل تحولت إلى عائق هيكلي حقيقي يهدد الاستقرار الاقتصادي والاجتماعي لشريحة واسعة من الموظفين والطبقة الوسطى. وفي ظل الفجوة العميقة بين مستويات الدخل الشهرية والقفزات المتلاحقة في أسعار الأراضي والعقارات، بات حلم امتلاك منزل بعيد المنال، حتى بالنسبة لأولئك الذين يقضون عقودًا من أعمارهم في الخدمة الحكومية.

تظهر القراءة التحليلية لواقع الأجور في القطاع الحكومي تفاوتًا حادًا يحدد شكل هذه الأزمة؛ فالموظفون حديثو التعيين في الدرجات الدنيا والمتوسطة، الذين تتراوح رواتبهم بين 450 ألفًا و700 ألف دينار شهريًا، يواجهون المعادلة الأكثر صعوبة. فحتى لو افترضنا سيناريو نظريًا شبه مستحيل يقتطع فيه الموظف نحو 300 ألف دينار شهريًا ليدخرها لغرض السكن، فإن إجمالي ما سيجمعه بعد 25 عامًا لن يتجاوز 90 مليون دينار—وهو مبلغ زهد لا يكفي اليوم لشراء قطعة أرض صغيرة في أطراف المدن.

ولا يختلف المشهد كثيرًا بالنسبة لشريحة أصحاب الخبرة والدرجات المتوسطة (من الدرجة السادسة إلى الرابعة)، ممن تتراوح رواتبهم الكلية بين 800 ألف و1.3 مليون دينار. فعلى فرض قدرة الموظف على ادخار 500 ألف دينار شهريًا، فإنحصيلة ربع قرن من التقشف لن تتعدى 150 مليون دينار. أما الفئة الأعلى التي تضم الدرجات الخاصة والكوادر المتقدمة في الوزارات ذات المخصصات مرتفعة العائد كالنفط والخارجية والكهرباء، والتي تتجاوز رواتبها 1.8 مليون وقد تصل إلى 3 ملايين دينار أو أكثر، فإن قدرتها النظرية على الادخار (بواقع مليون دينار شهريًا) قد تصل إلى 300 مليون دينار خلال الفاصل الزمني نفسه.

إن هذه الحسابات لا تعكس واقعًا ماليًا مقدورًا عليه، بل هي مجرد إطار زمني افتراضي يُستخدم لتفكيك الأزمة وتوضيح حجم الفجوة. فالواقع الفعلي يؤكد أن الجزء الأكبر من الراتب يذهب لتغطية المتطلبات المعيشية اليومية، من مصاريف أسرة ونقل وصحة وتعلّم، ما يجعل الادخار العقاري الحقيقي أقل بكثير من هذه الأرقام التقديرية.

تكمن جذر الأزمة في غياب التوازن بين نمو الأجور من جهة، والارتفاع المتسارع في أسعار الأراضي، والوحدات السكنية، ومواد البناء من جهة أخرى، يرافقها غياب خيارات التمويل العقاري طويل الأجل والميسر.

إن الخروج من هذا النفق يستدعي التعامل مع الملف السكني بأبعاده الاقتصادية والاجتماعية الشاملة، عبر تطبيق حزمة من السياسات الجذرية؛ تبدأ بتوفير أراضٍ مخدومة وتطوير مدن جديدة، وتمر بزيادة المعروض من السكن الاقتصادي الموجه لذوي الدخل المنخفض والمتوسط، ولا تنتهي إلا بتوسيع مظلة القروض العقارية طويلة الأجل. وبدون هذه الحلول، ستبقى ملكية المنزل هدفًا مؤجلاً لجيل كامل من الموظفين.

إرسال تعليق

0تعليقات

إرسال تعليق (0)